خليل الصفدي

32

نكت الهميان في نكت العميان

وكنت قد أتى علىّ في بصرى ، فانتبهت ليلة فسمعت أبي يقول لأمى : أنا شيخ كبير ، وأنت أيضا قد كبرت وضعفت ، وقد قرب منا ما بعد . ثم أنشد : وإن امرا قد سار خمسين حجة * إلى منهل من ورده لقريب « 1 » وهذه الصبية تعيش بصحة جسمها وتخدم الناس ، وهذا الصبى ضرير قطعة لحم ، ليت شعري ، ما يكون منه ؟ ثم بكيا وداما على ذلك وقتا طويلا من الليل ، فأحزنا قلبي ، فأصبحت ومضيت إلى المكتب على عادتي ، فما لبثت إلا يسيرا إذ جاء غلام للخليفة ، فقال للمعلم : السيدة تسلم عليك وتقول لك : قد أقبل شهر رمضان ، وأريد منك صبيا دون البلوغ حسن القراءة ، طيب الصوت ، يصلى بنا التراويح ، فقال : عندي من هذه صفته ، وهو مكفوف البصر ، ثم أمرني بالقيام معه ، فأخذ الرسول بيدي وسرنا حتى وصلنا الدار ، فاستأذن علىّ ، فأذنت السيدة لي بالدخول ، فدخلت وسلمت ، واستفتحت وقرأت : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، فبكت ، واسترسلت في القراءة ، فزاد بكاؤها ، وقالت : ما سمعت قط مثل هذه التلاوة ، فرق قلبي فبكيت ، فسألتني عن سبب ذلك ، فأخبرتها بما سمعت من أبى ، فقالت : يا بنى ، يكون لك من لم يكن في حساب أبيك ، ثم أمرت لي بألف دينار ، فقالت : هذه يتّجر بها أبوك ويجهز أختك ، وقد أمرت لك بإجراء ثلاثين دينارا في كل شهر إدرارا ، وأمرت لي بكسوة وبغلة مسرجة ملجمة وسرج محلى ، فهو سبب قولي جوابا للصبيان عندما قالوا : من لنا بعدك يا أبة . قيل : إنه مكتوب في التوراة : إن الزاني لا يموت حتى يفتقر ، والقواد لا يموت حتى يعمى . ويقال في التجارب : الأعمى مكابر ، والأعور ظلوم ، والأحول تيّاه . * * *

--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو بلا نسبة في المخصص ( 13 / 192 ) .